‘رحلة تطور شخصي وجماعي في إطار التوجيه والعمل الجماعي‘ - بقلم : رانية مرجية
في هذه المقالة، أستعرض تجربة مهنية وإنسانية مررت بها خلال مشاركتي في دورة تدريبية في مجال التوجيه والعمل الجماعي. أتت هذه التجربة محمّلة بالدروس، التحولات، والتفاعلات العميقة، سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي.
رانية مرجية - صورة شخصية
استندتُ في تحليلي إلى نماذج نظرية راسخة مثل نموذج توكمان (Tuckman)، ويالوم (Yalom)، وروجرز (Rogers)، وهيرون (Heron)، ونولز (Knowles). تنقسم المقالة إلى قسمين رئيسيين: تحليل تطور المجموعة التي شاركتُ فيها، واستعراض لمساري الشخصي خلال الدورة. الهدف من ذلك هو فهم أعمق للسيرورة التي خضناها، واستخلاص رؤى مهنية وشخصية يمكن البناء عليها مستقبلًا.
الجزء الأول: تطور المجموعة – تحليل عبر نموذج Tuckman
اعتمدتُ في تحليل مسار المجموعة على نموذج توكمان (1965)، الذي يقسّم تطور المجموعات إلى خمس مراحل متسلسلة: التكوين، العصف، التنظيم، الأداء، والاختتام. لكل مرحلة سماتها وتحدياتها، وقد تجسدت بوضوح في اللقاء الذي شاركت فيه.
"تمر كل مجموعة بمراحل: التكوين، العصف، التنظيم، الأداء، والانتهاء، وكل مرحلة تحمل معها تحديات وفرصًا للنمو، الفردي والجماعي."
1. مرحلة التكوين (Forming):
بدأ اللقاء في مركز "ريان – اللد" بنشاط بصري رمزي، أتاح للمشاركين التعبير عن حالتهم الداخلية بطريقة غير مباشرة، مما كسر الحواجز الأولية وفتح الباب لبناء الأمان. برزت هنا الحاجة للتوجيه والاحتواء، ونجحت الموجهة في توفير بيئة آمنة ومحفزة.
2. مرحلة العصف (Storming):
تم الانتقال إلى نقاش مهني حول "التطبيق الخارجي"، ما أتاح ظهور تباينات في وجهات النظر ومواقف دفاعية. هذه الصراعات عبّرت عن رغبة كل فرد في تأكيد ذاته داخل المجموعة.
"الديناميكية داخل المجموعة ليست مجرد تفاعل بين أفراد، بل هي شبكة معقدة من الأدوار والمواقف والمشاعر التي تتشكل باستمرار."
3. مرحلة التنظيم (Norming):
تم تقسيم المجموعة للعمل ضمن فرق صغيرة، وبرزت أدوار غير رسمية بشكل تلقائي. بدأنا نشهد تواصلاً إيجابيًا، ودعمًا متبادلًا، ونوعًا من التماسك الجماعي.
4. مرحلة الأداء (Performing):
تجلّت النضوج الجماعي خلال جلسات التوجيه، حيث أصبح الأعضاء يشاركون بصدق، ويقدمون تغذية راجعة بنّاءة لبعضهم البعض. برز هنا التحول من التبعية إلى الشراكة والدعم المتبادل.
5. مرحلة الاختتام (Adjourning):
اختُتم اللقاء بمشاعر تأثر وامتنان واضحة، وكان الوداع عميقًا ومعبرًا. شعر الجميع بأنهم جزء من تجربة ذات معنى، مما يعكس نضوجًا جماعيًا حقيقيًا.
"الإصغاء الحقيقي هو الأساس في بناء علاقة مهنية داعمة، أما المردود البناء فهو أداة للتعلم والتغيير إذا تم تقديمه برغبة صادقة للنمو."
خاتمة تحليلية للمجموعة
عكست تجربة اللقاء رحلة جماعية كاملة بحسب مراحل توكمان، وأظهرت كيف يمكن لتوجيه حسّاس وبيئة حاضنة أن تسرّع من تطور المجموعة، وتحوّل التحديات إلى فرص للنمو. لقد كان اللقاء نموذجًا عمليًا على أن العمل الجماعي ليس فقط تنسيقًا مهنيًا، بل تجربة إنسانية عميقة.
الجزء الثاني: مساري الشخصي – نمو داخلي ومهني
1. محطاتي الشخصية خلال الدورة
انطلقت الدورة بمزيج من الترقب والحماس، إلى جانب بعض الحذر الطبيعي. سرعان ما بدأ هذا الحذر يتلاشى مع تطور المناخ الآمن والداعم، خاصة بعد مشاركتي بتجارب شخصية كان لها وقع محفّز على الآخرين، مما عزز لدي الشعور بالانتماء والقبول.
2. التغيرات والتعلم
تعلمت الإصغاء العميق دون أحكام، والوعي بمشاعري، والقدرة على التعاون مع اختلافات المجموعة. اكتسبت مهارات عملية مثل:
طرح أسئلة مفتوحة ومغلقة بفعالية
إعطاء وتلقي مردود بنّاء
استخدام أدوات توجيه كالتقييم الذاتي وبناء الأهداف
"التقييم الذاتي يُمكّن المتعلم من أن يكون في موقع الفاعل في مسار تطوره، ويعزز من دافعيته الداخلية."
3. تجربة التوجيه – نظرة نقدية
قدّم لي التوجيه الفردي نافذة لفحص ذاتي عميق، لكني شعرت في بعض اللحظات بحاجة إلى تحدٍّ أكبر يدفعني إلى خارج منطقة الراحة. هذا التباين ألهمني للتفكير في كيفية تحقيق التوازن بين الاحتواء والتحدي أثناء توجيهي للآخرين.
"عملية التوجيه ليست تعليمًا من الأعلى إلى الأسفل، بل هي علاقة شراكة تتطلب وعيًا ومرونة من كلا الطرفين."
4. بين التخطيط والتطبيق – التحولات
دخلت الدورة بهدف تطوير أدواتي المهنية، لكنني أدركت لاحقًا أن الوعي الذاتي هو الأساس. تحوّل تركيزي نحو تنمية حضوري، وتطوير القدرة على إدارة الصراع بشكل غير دفاعي، وبناء أمان جماعي.
5. التعلم من خلال المردود
من خلال المردود، تبلورت لدي نقاط قوة واضحة:
الإصغاء والتعاطف
الحضور الهادئ والداعم
مهارات تواصل إنساني
إلى جانب مجالات تحتاج لتطوير:
تحدي المشاركين بطريقة محفّزة
صياغة أسئلة عميقة وواضحة
وعي أوسع بدوري في العلاقة التوجيهية
خاتمة شخصية
لم تكن الدورة مجرد تدريب مهني، بل رحلة لاكتشاف الذات من جديد. تعلّمت أن التوجيه يبدأ من الداخل: من وعيي بنفسي، ومشاعري، وقدرتي على الحضور الحقيقي. خرجت منها بشعور أعمق بالثقة والاستعداد لخلق مساحات آمنة للآخرين. أؤمن اليوم أكثر من أي وقت مضى أن كل مجموعة، مهما اختلف أفرادها، تحمل بذور التغيير والتطور إذا وُجدت البيئة الداعمة والتوجيه الحكيم.
من هنا وهناك
-
نحو عالَمٍ تحكمه سلطة القوّة وليس قوّة السلطة | بقلم: المحامي زكي كمال
-
وديع أبو نصار يكتب في بانيت: البابا ليو الرابع عشر.. قوة المحبة لا محبة القوة
-
مقال: هل استسلمت أمريكا في اليمن؟ قراءة في تراجع الدور الأمريكي - بقلم : سليم السعدي
-
‘تحية إجلال وتقدير للشيخ قاسم بدر‘ - بقلم : الشيخ أكرم سواعد
-
منير قبطي يكتب: حين تتحول الهوية إلى رصاصة - قراءة في فكر أمين معلوف وواقع الجريمة المنظمة في مجتمعنا العربي
-
مقال: ‘بينَ الحقيقة والوهم الرقميّ‘ - بقلم : حنين أمارة
-
‘حتى نلتقي- مرايا ‘ - بقلم : يوسف أبو جعفر
-
‘ صرخة عتاب ‘ - بقلم : د. أسامة مصاروة
-
مقال: ‘حتى نلتقي - كادوك ‘ - بقلم : يوسف أبو جعفر
-
د. سمير صبحي رئيس بلدية أم الفحم يكتب : معًا لحماية مستقبل مدينتنا
أرسل خبرا